مقدمة:
إن المتنبي من فطاحل الشعراء وجلّتهم، وفي طليعة الذين تصدوا للأغراض الشعرية المختلفة وسبروا أغوارها، فشعرهُ من أمتع الشعر وأبهاهُ، ومن أجمله وأسماه، حيث أعمل الشاعر قريحته الوقادة في تصوير المعاني الدقيقة وإفراغها في قوالب بهية تسودها السلاسة والجزالة، مما يدل على علوّ كعبه ويشهد على رفعة شأنه.
وإن من عُيون شعره ميميتَه التي يرثي بها جدته لأمه؛ فقد ورد عليه من عندها كتاب تشكو شوقها إليه وطول غيبته عنها، فتوجه أبو الطيب نحو العراق، ولم يمكنه وصول الكوفة على حالته تلك، فانحدر إلى بغداد، وكانت جدته قد يئست منه، فكتب إليها كتابا يسألها المسير إليه، فقبَّلتْ كتابه، وحُمَّتْ سرورا به، وغلب الفرح على قلبها فقتلها. ويبلغ عدد أبيات القصيدة أربعة وثلاثين بيتا من بحر الطويل.
وقد أحسست بالخوف والوجل إذ كلفت بتحليل هذه القصيدة، لكوني حديث العهد بالوحدة، مُزجَى البضاعة في تحليل النصوص الشعرية، لكن ما إن حاولت إلا وحالفني عون الله وتوفيقه، فأمطت عنها اللثام قدر المستطاع، متبعا المنهج التالي:
المستوى البنائي:
المستوى الإيقاعي:
المستوى المعجمي
المستوى التركيبي
خاتمة.
1- المستوى البنائي:
إن المطلع على القصيدة يدرك بجلاء الحزن الشديد الذي كان يستبد بالشاعر، واللوعة والكآبة اللتين ذهبتا به كل مذهب حتى فقد وعيه وضاق عليه الأرض بما رحبت، كما يشتمَ منها أيضا المنزلة العظيمة التي كانت تتبوؤها المرثية عند المتنبي، مما جعل القصيدة فريدة بنوعها، متمتعة بمكان مرموق في قصائد هذا الشاعر الخنذيذ.
ويمكن تقسيم القصيدة إلى المقاطع الآتية:
المقطع الأول: (1_2) يكشف فيه الشاعر عن رضاه بهذا القضاء المبرم، وأنه لا يحمد الحوادث السارة ولا يذم الضارة، فإذا بطشت بنا لم يكن ذلك جهلا، وإذا كفت عن الضرر لم يكن ذلك حلما، بمعنى أن الفعل في ذلك كله لله لا لها، وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا، فضلا عن ذلك فلا مسوغ للتفجع إذ كل واحد منا سيرجع إلى سيرته الأولى، وسيأتيه الموت عاجلا أو آجلا.
المقطع الثاني: (3) يدعو فيه الشاعر للفقيدِ أي جدته التي قتلها شوقها الشديد إلى ابنها، وتلهفها إلى لقياه ورؤيته.
المقطع الثالث: (4_8) يكشف فيه الشاعر عن تقطع نفسِه حسراتٍ على المرثية، وعدمِ حبه البقاء بعدها، حتى إنه ليؤثر البقاء في التراب من غيره، كما كشف عن بكائه الشديد عند حياتها خوف الفراق، وبعد مماتها للاشتياق. ثم طفر إلى بيان منزلة المفقودة عند بلدها وافتخاره بها، وما صنعته الليالي به من تشتيت وتفريق حتى طار عقله وذهل كل الذهول.
المقطع الرابع:(9-14) يصور فيه الشاعر كيفَ تلقت المفقودة رسالته، وكيف فاضت نفسهُ نتيجة سرورها المفرط وتَوْقها على فلذة كبدها.
المقطع الخامس:(15-21) يتوجع فيه الشاعر ويعبر عن قلقه وضيقه وهلعه، كما يتأسف لغيبته لدى وفاتها وانه لم يودعها قبل دفنها.
المقطع السادس:(22-34) يفتخر فيه بنفسه وبشجاعته وشهامته، كما يشيد بأنفة قومه وولعهم بالحرب وإيثارهم القتل على الحياة، وهم الذين تنتمي المرثية إليهم.
وهكذا تلحظ أن القصيدة تتراود بين البكاء والتحسر على الميتة، والتنويه بمناقبها والإشادة بمفاخرها، كما أبدع فيها الشاعر حين أضفى إلى الرثاء غرضَ الفخر، وتمدح بمجده المؤثل وبشجاعته وأنفته.
* * * * * * * *
2- المستوى الإيقاعي:
|
1- ألا لا أُ ري الأحداثَ حَمْدَاً ولا ذَمّا
|
فَما بَطشُها جَهلاً ولا كفُّها حِلمَا
|
|
2- ألا لاَ/ أُرِلْأَحْدَا/ثَ مَدْحَنْ/ وَلا ذَمْمَا
|
فَمَا بَطْ/ شُها جَهْلَنْ/ ولا كَفْ/ فُهَا حِلْمَا
|
|
3- فعولنْ مفاعيلن فعولن مفاعيلن
|
فعولنْ مفاعيلنْ فعولنْ مفاعيلنْ
|
القصيدة – كما ترى – من بحر الطويل، مما أكسبها بهاءً وقُوّةً، ومكنت الشاعر من التعبير عن الأحاسيس التي تجيش في ضميره، وعن لواعج الكمد التي تمضه وتؤلمه. والعروض والضرب - كما ترى – صحيحان، والذي سوغ صحة العروض هو التصريع، وهو:"ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه، تنقص بنقصه، وتزيد بزيادته "[1]
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ